فصل: باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب العاملين عليها

عن بسر بن سعيد ‏(‏أن ابن السعدي المالكي قال‏:‏ استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت إنما عملت لله، فقال خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكل وتصدق‏)‏‏.‏ متفق عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن ابن السعدي‏)‏ هو أبو محمد عبد الله بن وقدان بن عبد الله بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب‏.‏ وإنما قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوزان وقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قديمًا وقال وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمالكي نسبة إلى مالك بن حنبل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعمالة‏)‏ قال الجوهري العمالة بالضم رزق العامل على عمله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فعملني‏)‏ بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عمل وجعل لي عمالة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من غير أن تسأل‏)‏ فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة‏.‏

ـ وفي الحديث ـ دليل على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك إذا كان العلم هو السبب اقتضى قياس قواعد الشرع المأخوذ في مقابلته أجرة يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطًا اهـ‏.‏

وعن المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب‏:‏ أنه والفضل بن عباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم تكلم أحدنا فقال يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات، فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس، فقال‏:‏ ‏(‏إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس‏)‏ مختصر لأحمد ومسلم‏.‏ وفي لفظ لهما‏:‏ ‏(‏لا تحل لمحمد ولا لآل محمد‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أوساخ الناس‏)‏ هذا بيان لعلة التحريم والإرشاد إلى تنزه الآل عن أكل الأوساخ وإنما سميت أوساخًا لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تطهرهم وتزكيهم بها‏}‏ فذلك من التشبيه وفيه إشارة إلى أن المحرم على الآل إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير المال‏.‏ وأما صدقة التطوع فنقل الخطابي وغيره الإجماع على أنها محرمة على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وللشافعي قول أنها تحل وتحل لآل على قول الأكثر وللشافعي قول بالتحريم وسيأتي الكلام في تحريم الصدقة الواجبة على بني هاشم‏.‏ وظاهر هذا الحديث أنها لا تحل لهم ولو كان أخذهم لها من باب العمالة وإليه ذهب الجمهور‏.‏

وقال أبو حنيفة والناصر والعمالة معاوضة بمنفعة والمنافع مال فهي كما لو اشتراها بماله وهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنص‏.‏ قال النووي وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في رده‏.‏

قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق هذا الحديث ما لفظه وهو يمنع جعل العامل من ذوي القربى انتهى، وتعقب بأن الحديث إنما يمنع دخول ذوي القربي في سهم العامل ولا يمنع من جعلهم عمالًا عليها ويعطون من غيرها فإنه جائز بالإجماع‏.‏ وقد استعمل علي عليه السلام بني العباس رضي الله عنه‏.‏

وعن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا طيبةً به نفسه، حتى يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين‏)‏‏.‏ متفق عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏طيبة به نفسه‏)‏ هذه الأوصاف لا بد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن، فإنه إذا لم يكن مسلمًا لم تصح منه نية التقرب وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية فلا يؤجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحد المتصدقين‏)‏ قال القرطبي لم نروه إلا بالتثنية ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق وصاحب المال متصدق آخر فهما متصدقان قال ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين‏.‏

ـ والحديث ـ يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الأجر ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما أن لصاحبه أجرًا وليس معناه أن يزاحمه في أجره بل المراد المشاركة في الطاعة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه، فإذا أعطي المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره، فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها فأجر الخازن أكثر وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء‏.‏ قال ابن رسلان ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام ومن يقوم على طعام الضيفان‏.‏

وعن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من استعملناه على عمل فرزقناه فما أخذ بعد فهو غلول‏)‏‏.‏ رواه أبو داود‏.‏

الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات، وفيه دليل على أنه لا يحل للعامل زيادة على ما فرض له من استعمله وإن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغلول وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب العمل فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه‏.‏ وقيل يأخذ ويكون من باب الصرف‏.‏

ـ وفي الحديث ـ أيضًا دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده ولقد قال المصنف رحمه الله تعالى وفيه تنبيه على جواز أن يأخذ العامل حقه من تحت يده فيقيض من نفسه انتهى‏.‏

 باب المؤلفة قلوبهم

عن أنس‏:‏ ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل شيئًا على الإسلام‏.‏ إلا أعطاه قال فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال فرجع إلى قومه، فقال يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة‏)‏‏.‏ رواه أحمد بإسناد صحيح‏.‏

و‏(‏عن عمرو بن تغلب‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالًا وترك رجالًا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أعطي أقوامًا لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِل أقوامًا إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب، فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم‏)‏‏.‏ رواه أحمد والبخاري‏.‏

الحديثان يدلان على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال الله عز وجل‏.‏ وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس كل إنسان منهم مائة من الإبل‏.‏ وروي أيضًا‏:‏ ‏(‏أنه أعطى علقمة بن علاثة مائة، ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم‏)‏ ثم قال لما بلغه أنهم قالوا يعطى صناديد نجد ويدعنا إنما فعلت ذلك لأتألفهم كما في صحيح مسلم‏.‏ وقد ذهب إلى جواز التأليف العترة والجبائي والبلخي وابن مبشر‏.‏ وقال الشافعي لا نتألف كافرًا فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته، واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس، والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسًا‏.‏

 باب قول الله تعالى وفي الرقاب

‏[‏وهو يشمل بعمومه المكاتب وغيره‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ لا بأس أن يعتق من زكاة ماله‏.‏ ذكره عنه أحمد والبخاري‏]‏‏.‏

وعن البراء بن عازب قال‏:‏ ‏(‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يقربني إلى الجنة، ويبعدني من النار، فقال‏:‏ أعتق النسمة، وفك الرقبة، قال يا رسول الله أو ليسا واحدًا، قال‏:‏ لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها‏)‏‏.‏ رواه أحمد والدارقطني‏.‏

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ثلاثة كلهم حق على الله عونه الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح المتعفف‏)‏‏.‏ رواه الخمسة إلا أبو داود‏.‏

حديث البراء بن عازب قال في مجمع الزوائد رجاله ثقات، وحديث أبي هريرة قال الترمذي حسن صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المكاتب وغيره‏)‏ قد اختلف العلماء في المراد بقوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏{‏وفي الرقاب‏}‏ فروي عن علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة‏.‏ وروي عن ابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشتري رقاب لتعتق، واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة‏.‏ وقال الزهري إنه يجمع بين الأمرين وإليه أشار المصنف وهو الظاهر، لأن الآية تحتمل الأمرين، وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة والمبعدة من النار‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حق على الله‏)‏ فيه دليل على أن الله يتولى إعانة هؤلاء الثلاثة ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم لكن بشرط أن يكون الغازي غازيًا في سبيل الله والمكاتب مريدًا للأداء والناكح متعففًا‏.‏ وقد اختلف في المكاتب إذا كان فاسقًا هل يعان على الكتابة أم لا فذهبت الهادوية إلى أنه لا يعان قالوا لأنه لا قربة في إعانته‏.‏ وقال الشافعي والإمام يحيى والمؤيد بالله أنه يعان وهو الظاهر‏.‏

 باب الغارمين

عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة‏:‏ لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع‏)‏‏.‏ رواه أحمد وأبو داود ‏.‏

و‏(‏عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال‏:‏ تحملت حمالةً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلى لأحد ثلاثة‏:‏ رجل تحمل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتًا‏)‏‏.‏ رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود‏.‏

حديث أنس قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة وتقدم الكلام عليه هنالك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حمالة‏)‏ بفتح الحاء المهملة وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، وإنما تحل له المسألة بسببه ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية، وإلى هذا ذهب الحسن البصري والباقر والهادي وأبو العباس وأبو طالب‏.‏ وروي عن الفقهاء الأربعة والمؤيد بالله أن يعان لأن الآية لم تفصل وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته وإذا سأل لذلك لم يعد نقصًا في قدره بل فخرًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنأمر لك‏)‏ بنصب الراء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رجل‏)‏ يجوز فيه الجر على البدل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جائحة‏)‏ هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافًا ظاهرًا كالسيل والحريق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قوامًا‏)‏ بكسر القاف وهو ما تقوم به حاجته ويستغني به هو بفتح القاف الاعتدال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سدادًا‏)‏ هو بكسر السين ما تسد به الحاجة والخلل‏.‏ وأما السداد بالفتح فقال الأزهري هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي ومنه سداد من عوز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من ذوي الحجا‏)‏ بكسر الحاء المهملة مقصور العقل وإنما جعل العقل معتبرًا لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة وإنما قال من قومه لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره والمال مما يخفى في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرًا بحاله وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار‏.‏ وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي‏.‏ وقال الجمهور تقبل شهادة عدلين كسائر الشاهادات غير الزنا وحملوا الحديث على الاستحباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاقة‏)‏ قال الجوهري الفاقة الفقر والحاجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فسحت‏)‏ بضم السين وسكون الحاء المهملتين وروي بضم الحاء وهو الحرام وسمي سحتًا لأنه يسحت أي يمحق‏.‏ وهذا الحديث مخصص بما في حديث سمرة من جواز سؤال الرجل للسلطان وفي الأمر الذي لا بد منه فيراد أن على هذه الثلاثة ويكون الجميع خمسة‏.‏

 باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل

عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه فيهدى لك أو يدعوك‏)‏‏.‏ رواه أبو داود وفي لفظ‏:‏ ‏(‏لا تحل الصدقة إلا لخمسة‏:‏ لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني‏)‏‏.‏ رواه أبو داود وابن ماجه‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا أحمد ومالك في الموطأ والبزار وعبد بن حميد وأبو يعلي والبيهقي والحاكم وصححه وقد أعل بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه رواه الأكثر عن أبي سعيد والرفع زيادة يتعين الأخذ بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لغني‏)‏ قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا في سبيل الله‏)‏ أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو ابن السبيل‏)‏ قال المفسرون هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنيًا في بلده‏.‏ وقال مجاهد هو الذي قطع عليه الطريق‏.‏ وقال الشافعي ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لعامل عليها‏)‏ قال ابن عباس ويدخل في العامل الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها سواء كان هاشميًا أو غير هاشمي ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي ويؤيده حديث أبي رافع الآتي في باب تحريم الصدقة على بني هاشم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجوز له أن يصحب من بعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو رجل اشتراها‏)‏ فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك‏.‏ وفيه دليل على أن الزكاة الصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو غارم‏)‏ وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره كإصلاح ذات البين بأن الخلاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيًا‏.‏ قال المصنف رحمه الله تعالى ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة لا لمصلحة نفسه لقوله‏:‏ في حديث أنس أو ذي غرم مفظع اهـ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاهدى منها لغني‏)‏ فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء لأن صفة الزكاة قد زالت عنها‏.‏ وفي أيضًا دليل على جواز قبول هدية الفقير للغني‏.‏

ـ وفي هذا الحديث ـ دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء وما ورد بدليل خاص كان مخصصًا لهذا العموم، كحديث عمر المتقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين‏.‏

و‏(‏عن ابن لاس الخزاعي قال‏:‏ حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من الصدقة إلى الحج‏)‏ ‏.‏ رواه أحمد وذكره البخاري تعليقًا ‏.‏

و‏(‏عن أم معقل الأسدية‏:‏ أن زوجها جعل بكرًا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له فأمره أن يعطيها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الحج والعمرة في سبيل الله‏)‏‏.‏ رواه أحمد ‏.‏

وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته ‏(‏أم معقل قالت‏:‏ لما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله، وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من حجته جئته، فقال يا أم معقل ما منعك أن تخرجي‏؟‏ قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أو معقل في سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه، فإن الحج في سبيل الله‏)‏‏.‏ رواه أبو داود ‏.‏

حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه‏.‏ وحديث أم معقل أخرجه بنحو الرواية الأولى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول‏.‏ وفي إسناده أيضًا إبراهيم بن مهاجر بن البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه فروي عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها‏.‏ وروي عن أم معقل بغير واسطة وروي عنه عن أبي معقل‏.‏ والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود وفي إسنادها محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ابن لاس‏)‏ هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ ابن والذي في البهاري أبي لاس وكذا في التقريب من ترجمة عبد الله بن عنمة، ولاس بسين مهملة خزاعي اختلف في اسمه فقيل زياد وقيل عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين وقيل غير ذلك له صحبة وحديثان هذا أحدهما وقد وصله مع أحمد ابن خزيمة والحاكم وغيرهما من طريقه‏.‏ قال الحافظ ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته‏.‏

ـ وأحاديث الباب ـ تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله وأن من جعل شيئًا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين وإذا كان شيئًا مركوبًا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه‏.‏ وتدل أيضًا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج والعمرة‏.‏

 باب ما يذكر في استيعاب الأصناف في الزكاة

عن زياد بن الحارث الصدائي قال‏:‏ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك‏.‏ رواه أبو داود، ويروى ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسلمة بن صخر اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك‏)‏ ‏.‏

حديث زياد بن الحرب الصدائي في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد‏.‏ وحديث سلمة بن صخر له طرق وروايات يأتي ذكر بعضها في الصيام وهذه إحداها‏.‏ وقد أخرجها بهذا اللفظ أحمد في مسنده بإسناد فيه محمد بن إسحاق ولم يصرح بالتحديث ومع هذا فهذه الرواية تعارض ما سيأتي من الروايات الصحيحة ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بعرق من تمر‏)‏ من طريق جماعة من الصحابة‏.‏ وإنما أورد المصنف هذه الرواية ههنا للاستدلال بها على أن الصرف فيمن لزمته كفارة من الزكاة جائز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فجزأها‏)‏ بتشديد الزاي وهذا الحديث مع الآية يرد على المزني وأبي حفص بن الوكيل من أصحاب الشافعي حيث قالا إنه لا يصرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة، ويرد أيضًا على أبي حنيفة والثوري والحسن البصري حيث قالوا يجوز صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية حتى قال أبو حنيفة يجوز صرفها إلى الواحد على مالك حيث قال يدفعها إلى أكثرهم حاجة، أي لأن كل الأصناف يدفع إليهم للحاجة فوجب اعتبار أمسهم حاجة‏.‏

 باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم

عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة‏)‏‏.‏ متفق عليه ولمسلم‏:‏ ‏(‏أنا لا يحل لنا الصدقة‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فجعلها في فيه‏)‏ زاد في رواية ‏(‏فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام ولعابه يسيل فضرب النبي صلى الله عليه وسلم شدقيه‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كخ كخ‏)‏ بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلًا ومخففًا بكسرها منونة وغير منونة فيخرج من ذلك ست لغات والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال لردع الصبي عند مناولة ما يستقذر، قيل إنها عربية وقيل أعجمية وزعم الداودي أنها معربة‏.‏ وقد أوردها البخاري في باب من تكلم الفارسية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ارم بها‏)‏ في رواية لأحمد‏.‏ ‏(‏ألقها يا بني‏)‏ وكأنه كلمة أولا بهذا فلما قال له ‏(‏كخ كخ‏)‏ إشارة إلى استقذار ذلك ويحتمل العكس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تحل لنا الصدقة‏)‏ وفي رواية ‏(‏لا تحل لآل محمد الصدقة‏)‏ وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه‏.‏ قال الحافظ وإسناده قوي‏.‏ وللطبراني والطحاوي من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه‏.‏

‏(‏والحديث‏)‏ يدل على تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وسلم وعلى آله‏.‏ واختلف ما المراد بالآل هنا فقال الشافعي وجماعة من العلماء إنهم بنو هاشم وبنو المطلب‏.‏ ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية عوض عوضوه بدلًا عما حرموه من الصدقة، كما أخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم قال مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد‏)‏‏.‏ وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة‏.‏ وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية هم بنو هاشم فقط وعن أحمد في بني المطلب روايتان‏.‏ وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان فعن أصبغ منهم هم بنو قصي وعن غيره بنو غالب بن فهر كذا في الفتح‏.‏ والمراد ببني هاشم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس وآل الحرث ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته صلى الله عليه وسلم ويرده ما في جامع الأصول أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح وسر صلى الله عليه وسلم بإسلامهما ودعا لهما وشهدا معه حنينًا والطائف ولهما عقب عند أهل النسب‏.‏ قال ابن قدامة لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا قال أبو طالب من أهل البيت حكى ذلك عنه في البحر وكذا حكى الإجماع ابن رسلان‏.‏ وقد نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربي حكاه الطحاوي ونقله بعض المالكية عن الأبهري‏.‏ قال في الفتح وهو وجهل لبعض الشافعية‏.‏ وحكى فيه أيضًا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم وحكاه في البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والإمامية‏.‏ وحكاه في الشفاء عن ابني الهادي والقاسم العياني‏.‏ قال الحافظ وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة‏.‏ الجواز‏.‏ المنع‏.‏ جواز التطوع دون الفرض‏.‏ عكسه‏.‏ والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع‏.‏ وقد قيل إنها متواترة تواترًا معنويًا ويؤيد ذلك قوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قل ما أسألكم عليه من أجر‏}‏ ولو أحلها لآله أوشك أن يطعنوا فيه‏.‏ ولقوله‏:‏ تعالى‏:‏ ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها‏}‏ وثبت عنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أن الصدقة أوساخ الناس‏)‏ كما رواه مسلم، وأما ما استدل به القائلون بحلها للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين من علوم الحديث بإسناد كله من بني هاشم ‏(‏أن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك حرمت علينا صدقات الناس هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض قال نعم‏)‏ فهذا الحديث قد اتهم فيه بعض رواته وقد أطال صاحب الميزان الكلام على ذلك فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة‏.‏ وأما قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير بعد أن ساق الحديث ما لفظه وأحسب له متابعًا لشهرة القول به قال والقول به قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم وأتباعهم، بل ادعى بعضهم أنه إجماعهم ولعل توارث هذا بينهم يقوي الحديث انتهى‏.‏ فكلام ليس على قانون الاستدلال لأن مجرد الحسبان أن له متابعًا وذهاب جماعة من من أهل البيت إليه لا يدل على صحته، وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل، ومطولات مؤلفاتهم ومختصراتها شاهدة لذلك‏.‏ وأما قول الأمير في المنحة أنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده وما عضده من دعوى الإجماع فقد عرفت بطلان دعوى الإجماع وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابرهم بل جمهورهم خارجون عنه‏.‏ وأما مجرد وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس‏.‏

ـ والحاصل ـ أن تحريم الزكاة على بني الهاشم معلول من غير فرق بين أن يكون المزكي هاشميًا أو غيره فلا ينفق من المعاذير عن هذا المحرم المعلوم إلا ما صح عن الشارع، لا ما لفقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية التي لا تخلص، ولا ما لم يصح من الأحاديث المروية في التخصيص، ولكثرة أكلة الزكاة من آل هاشم في بلاد اليمن خصوصًا أرباب الرياسة قام بعض العلماء منهم في الذب عنهم، وتحليل ما حرم الله عليهم، مقامًا لا يرضاه الله ولا نقاد العلماء، فألف في ذلك رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحبسه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئًا وصار يتسلى بها أرباب النباهة منهم‏.‏ وقد يتعلل بعضهم بما قاله البعض منهم أن أرض اليمن خراجية وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل الباطلات ليس مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم فالله المستعان ما أسرع الناس إلى متابعة الهوى وإن خالف ما هو معلوم من الشريعة المطهرة‏.‏

ـ واعلم ـ أن ظاهر قوله‏:‏ لا تحل لنا الصدقة عدم حل صدقة الفرض والتطوع وقد نقل جماعة الخطابي الإجماع على تحريمهما عليه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولًا‏.‏ وكذا في رواية عن أحمد‏.‏ وقال ابن قدامة ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة‏.‏ وأما آل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة وكثير من الزيدية أنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض‏.‏ قالوا لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع وقال في البحر إنه خصص صدقة التطوع القياس على الهبة والهدية والوقف‏.‏ وقال أبو يوسف وأبو العباس إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل‏.‏

و‏(‏عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع اصحبني كيما تصيب منها قال لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله وانطلق فسأله، فقال إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم‏)‏، رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه ـ وفي الباب ـ عن ابن عباس عند الطبراني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من أنفسهم‏)‏ بضم الفاء ولفظ الترمذي ‏(‏مولى القوم منهم‏)‏ أي حكمه كحكمهم ‏(‏الحديث‏)‏ يدل على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وتحريمها على آله وقد تقدم الكلام على ذلك، ويدل على تحريمها على موالي آل بني هاشم ولو كان الأخذ على جهة العمالة وقد سلف ما فيه‏.‏ قال الشافعي حرم على مواليه الصدقة ما حرم على نفسه وبه قال أبو حنيفة وهو مروي أيضًا عن الناصر والشافعي وأصحابه وإليه ذهب المؤيد بالله أبو طالب وهو مروي عن الناصر وابن الماجشون‏.‏ وقال مالك ويحيى وهو مروي أيضًا عن الناصر والشافعي في وقول له إنها تحل لهم قال في البحر لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف‏.‏ قلنا جزم الخبر يدفع ذلك انتهى‏.‏ ونصب هذه العلة مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ‏.‏

و‏(‏عن أم عطية قالت‏:‏ بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة من الصدقة فبعثت إلى عائشة منها بشيء، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ هل عندكم من شيء‏؟‏ فقالت لا إلا أن نسيبة بعثت إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها، فقال‏:‏ إنها قد بلغت محلها‏)‏ متفق عليه‏.‏

و‏(‏عن جويرة بنت الحارث‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فقال‏:‏ هل من طعام‏؟‏ فقالت لا والله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيتها مولاتي من الصدقة، فقال‏:‏ قدميها فقد بلغت محلها‏)‏‏.‏ رواه أحمد ومسلم ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هل عندكم من شيء‏)‏ أي من الطعام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نسيبة‏)‏ قال في الفتح بالنون والمهملة والموحدة مصغرًا اسم أم عطية انتهى‏.‏ وأما نسيبة بفتح النون وكسر السين فهي أم عمارة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بلغت محلها‏)‏ أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف الصدقة كما تقدم كذا قال ابن بطال‏.‏ قال في الفتح وضبطه بعضهم بكسرها من الحلول أي بلغت مستقرها والأول أولى انتهى‏.‏

ـ والحديث ـ يدل على ان موالي أزواج بني هاشم ليس حكمهم كحكم موالي بني هاشم فنحل لهم الصدقة وقد نقل ابن بطال اتفاق افقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك وفيه نظر لأن ابن قدامة ذكر أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة ‏(‏عن عائشة أنها قالت إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة‏)‏ قال وهذا يدل على تحريمها‏.‏ قال الحافظ وإسناده إلى عائشة حسن‏.‏ وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولًا واحدًا‏.‏ ‏(‏ولا يقال‏)‏ إن قول البعض يدخلهن في الآل يستلزم تحريم الصدقة عليهن فإن ذلك غير لازم ‏(‏وفيه الحديثين‏)‏ أيضًا دليل على أنه يجوز لمن تحرم عليه الصدقة الأكل منها بعد مصيرها إلى المصرف وانتقالها عنه بهبة أو هدية أو نحوها‏.‏ وفي الباب عن عائشة عند البخاري وغيره ‏(‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلحم فقالت له هذا ما تصدق به على بريرة فقال هو لها صدقة ولنا هدية‏)‏‏.‏

 باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به

و‏(‏عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ لا تشتره ، ولا تعد في صدقتك ، وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه‏)‏‏.‏ متفق عليه‏.‏

عن ابن عمر ‏:‏ ‏(‏أن عمر حمل على فرس في سبيل الله‏)‏‏.‏ وفي لفظ ‏:‏ ‏(‏تصدق بفرس في سبيل الله ، ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ لا تعد في صدقتك يا عمر‏)‏‏.‏ رواه الجماعة زاد البخاري ‏(‏فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدق به إلا جعله صدقة‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمر‏)‏ هذا يقتضي أن الحديث من مسند عمر والرواية الأخرى تقتضي أنه من مسند ابن عمر‏.‏ ورجح الدارقطني الثاني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حملت على فرس‏)‏ المراد أنه ملكه ولذلك ساغ له بيعه ومنهم من قال كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به ويرجح الأول قوله‏:‏ لا تعد في صدقتك ولو كان حبسًا لعلله به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأضاعه‏)‏ أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته وقيل لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له والأول أظهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن أعطاكه بدرهم‏)‏ هو مبالغة في تنقيصه وهو الحامل له على شرائه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تعد‏)‏ إنما سمي شراءه برخص عودًا في الصدقة من حيث أن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كالعائد في قيئه‏)‏ استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام‏.‏ قال القرطبي وهذا هو الظاهر من سياق الحديث ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يترك أن يبتاع‏)‏ إلخ أي كان إذا اتفق له أن يشتري مما تصدق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة‏.‏

ـ والحديث ـ يدل على كراهة الرجوع عن الصدقة وإن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مركوهًا‏.‏ وقد قيل أنه يعارض هذا الحديث الحديث المتقدم عن أبي سعيد في حل الصدقة لرجل اشتراها بماله وجمع بينهما بحمل هذا على كراهة التنزيه، ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى وحمل ابن عمر وهو راوي الخبر، ولو فهم منه التحريم لما فعله وتقرب بصدقة تستند إليه انتهى‏.‏ والظاهر أنه لا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد المتقدم لأن هذا صدقة التطوع وذاك صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبها له بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ما يشبهه وهو الشراء، نعم يعارض حديث الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ‏(‏أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت تلك الوليدة قال وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث‏)‏ ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث لأن ذلك ليس مشبها بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات‏.‏

 باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب

عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن‏:‏ قالت فرجعت إلى عبدالله فقلت إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم قالت، فقال عبدالله بل ائتيه أنت قالت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة قالت فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك أيجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن، قالت فدخل بلال فسأله، فقال له‏:‏ من هما‏؟‏ فقال امرأة من الأنصار وزينب، فقال‏:‏ أي الزيانب‏؟‏ فقال امرأة عبدالله، فقال‏:‏ لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة‏)‏‏.‏ متفق عليه، ولفظ البخاري‏:‏ ‏(‏أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وعلى أيتام لي في حجري‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنك رجل خفيف ذات اليد‏)‏ هذا كناية عن الفقر‏.‏ وفي لفظ للبخاري ‏(‏إن زينب كانت تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها فقالت لعبد الله سل رسول الله أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة‏)‏‏.‏الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإذا امرأة من الأنصار‏)‏ زاد النسائي والطيالسي ‏(‏يقال لها زينب‏)‏‏.‏ وفي رواية للنسائي ‏(‏انطلقت امرأة عبد الله يعني ابن مسعود وامرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري‏)‏‏.‏

ـ استدل بهذا الحديث ـ على أنه يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها ربه قال الثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك‏.‏ وعن أحمد وإليه ذهب الهادي والناصر والمؤيد بالله هذا إنما يتم دليلًا بعد تسليم أن هذه الصدقة صدقة واجبة وبذلك جزم المازري‏.‏ ويؤيد ذلك قوله‏:‏ ‏(‏أيجزئ عني‏)‏ وتعقبه عياض بأن قوله‏:‏ ولو من حليكين وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع وبه جزم النووي وتأولوا قوله‏:‏ا أيجزئ عني في الوقاية من النار كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي لقول أبي حنيفة أنها لا تجزئ زكاة المرأة في زوجها‏.‏ فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق سليه وعلى ولده فهذا يدل على أنها صدقة تطوع ‏(‏واحتجوا‏)‏ أيضًا على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها‏:‏ ‏(‏زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم‏)‏ قالوا لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر والمهدي في البحر وغيرهما، وتعقب هذا بأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطى نفقته والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه‏.‏ قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث وهذا عند أكثر أهل العلم في صدقة التطوع انتهى‏.‏ والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها أما أولا فلعدم المانع من ذلك، ومن قال أنه لا يجوز فعليه الدليل وأما ثانيًا فلأن ترك استفصاله صلى الله عليه وسلم لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب فكأنه قال يجزي عنك فرضًا كان أو تطوعًا‏.‏

ـ وقد اختلف ـ في الزوج هل يجوز أن يدفع زكاته إلى زوجته فقال ابن المنذر أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئًا لأن نفقتها واجبة عليه ويمكن أن يقال أن التعليل بالوجوب على الزوج لا يوجب امتناع الصرف إليها لأن نفقتها واجبة عليه غنية كانت أو فقيرة فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا‏.‏ وأما الصدقة على الأصول والفصول وبقية القرابة فسيأتي الكلام عليها‏.‏

وعن سلمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة‏)‏‏.‏ رواه أحمد وابن ماجه والترمذي‏)‏ ‏.‏

وعن أبي أيوب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح‏)‏‏.‏ رواه أحمد وله مثله‏:‏ من حديث حكيم بن حزام ‏.‏

وعن ابن عباس قال‏:‏ إذا كان ذوو قرابة لا تعولهم فأعطهم من زكاة مالك، وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول‏.‏ رواه الأثرم في سننه‏.‏

حديث سلمان أخرجه أيضًا النسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم وحسنه الترمذي قال الحافظ وفي الباب عن أبي طلحة وأبي أمامة عند الطبراني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الكاشح‏)‏ هو المضمر للعداوة‏.‏ وقد استدل بالحديثين على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كانوا ممن تلزم لهم النفقة أم لا لأن الصدقة المذكورة فيهما لم تقيد بصدقة التطوع ولكنه قد تقدم الأصول الفصول كما في البحر فإنه قال مسألة ولا تجزئ في أصوله وفصوله مطلقًا إجماعًا‏.‏ وقال تجزئ في الآباء والأمهات، ثم قال قلت والمسألة في البحر صرح بنسبتها إلى الإجماع كما حكيناه سالفًا فقد نسبت إلى قائل وهم أهل الإجماع إلا أنه يدل لما روي عن أبي العباس ومحمد بن الحسن ما في البخاري وأحمد عن معن بن يزيد قال أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فقال والله ما إياك أردت فجئت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن‏.‏ وسيأتي هذا الحديث في كتاب الوكالة إن شاء الله تعالى ولكنه يحتمل أن تكون الصدقة صدقة تطوع بل هو الظاهر‏.‏ وقد روي عن مالك أنه يجوز الصرف في بني البنين وفي فوق الجد والجدة وأما غير الأصول والفصول من القرابة الذين تلزم نفقتهم فذهب الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزي الصرف إليهم‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه والإمام يحيى يجوز ويجزئ إذا لم يفصل الدليل لعموم الأدلة المذكورة في الباب وقال الأولون إنها مخصصة بالقياس ولا أصل له‏.‏ وأما الأثر المروي عن ابن عباس فكلام صحابي ولا حجة فيه لأن للاجتهاد في ذلك مسرحًا‏.‏ ويؤيد الجواز والإجزاء الحديث الذي تقدم عن البخاري بلفظ ‏(‏زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم‏)‏‏.‏ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما سلف، ثم الأصل عدم المانع فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل‏.‏